رغم أننا جميعا على اختلاف توجهاتنا الفكرية والسياسية ندين بمناسبة وبغير مناسبة تدخل الغرب فى شئوننا السياسية والداخلية، ونقر باسهاماتم الشيطانية فى تشكيل الوضع السياسى فى بلداننا العربية، بدعمهم المطلق للنظم الاستبدادية التى طوقت الشعوب العربية فلم تترك لها فرصة للفكاك، وطمعهم الدائم فى ثرواتنا.
إلا أن الأحداث أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أننا رغم ذلك ما زلنا نقع فى حبالهم الشيطانية، وننخدع بحيلهم الجهنمية فى تمزيق الأمة وشق صفوفها وإذكاء روح العصبية المذهبية والعرقية بين أبنائها، وكأنه السحر الرهيب الذى لا فكاك منه إلا بمعجزة إلهية كبرى.
أقول هذا بمناسبة ما يجرى الآن فى إيران من أحداث جسام، ربما تصل لحد إضعاف الجمهورية الإسلامية التى كانت فى يوم من الأيام محطة مضيئة للديموقراطية فى بحر متلاطم من الاستبداد والاستعباد.
وقد اختلفت الآراء والرؤى حول هذه الأحداث، ما بين معارض شديد لنتائج الانتخابات الإيرانية وما أسفرت عنه من فوز احمدي نجاد، وبالتالى كان التأييد المطلق والدعم المستمر للمظاهرات العنيفة التى تجرى الآن فى إيران ضد نتائج الانتخابات، على الأقل تأييدا إعلاميا وفكريا، وتصوير الأمر على أنه انفجار نتيجة سياسة الكبت المتبعة فى إيران منذ ثلاثين عاما.
ومابين فريق يتوافق تماما مع نتائج الانتخابات، ويرى أن هذا هو خيار الشعب واختياره، وإذا كان ثمة تجاوزات فى العملية الانتخابية أو تزوير، فان الطريقة الوحيدة لإثباتها هو السبل القانونية والمؤسسات المنوط بها هذا الإجراءات، وليست المظاهرات العنيفة، وإعطاء الفرصة لخصوم إيران السياسيين من الغرب وغيرهم للطرق على الحديد وهو ساخن، وتأجيج نار الأحداث لتفعل فعلها فى دولة إيران ما لم تستطع أن تفعله تلك الدول قبل ذلك.
والحقيقة أننا باستقراء الواقع والأحداث يمكن التوصل للملاحظات الآتية:-
أولا:- إيران قبل الانتخابات قامت سياستها الخارجية على دعم المقاومة ضد المشروع الصهيوامريكى والمتمثل فى دعم حماس وحزب الله اللبناني، ومهاجمة المشروع الاستيطاني الاسرائيلى، مما جعلها فى صدام دائم على الأقل ظاهريا مع أمريكا وإسرائيل، حتى بتنا ننتظر جميعا ضربة قوية موجهة لإيران من إسرائيل بين الحين والآخر، ووجدنا رئيس الوزراء الاسرائيلى يربط بين تفكيك المشروع النووي الايرانى وإقرار السلام فى منطقة الشرق الأوسط.
ووجدت قوى الغرب ضالتها فى الانتخابات القادمة سواء فى لبنان وإيران لإحداث تغيير جوهري فى منطقة الشرق الأوسط، وتنحية المقاومة ومن يعاونها بعيدا عن القرار السياسي.
ومن هنا فقد تدخلت أمريكا بقوة فى الانتخابات اللبنانية لمنع فوز حزب الله، وهذا ما جعلها ومعها بالطبع دول الاعتدال العربى الدائرة فى فلك القوى الصهيونية تترقب فوز ما يسمونهم بالإصلاحيين فى إيران على غرار فوز تيار الموالاة فى لبنان.
ثانيا:- وهذا يفسر لنا الهجوم الاعلامى الضاري سواء الغربي أو العربى المعتدل على إيران وحزب الله فى الفترة الأخيرة، وما ناله حزب الله من هذا الهجوم لا يخفى على أحد.
ربما يكون هذا الهجوم الاعلامى قد أتى أكله فى لبنان، لكن الصدمة كانت عند ما لم يؤت أكله فى إيران بفوز أحمدى نجاد، وهذا يقودنا حتما إلى الملاحظة الثالثة
ثالثا:- لا نتعجب إذا توافقت إسرائيل مع أمريكا مع دول الغرب مع دول الاعتدال العربى على مهاجمة نتائج الانتخابات، ودعم المتظاهرين إعلاميا، وتأجيج حركة الثورة فى إيران، فما تسمعه وتقرأه فى وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية والغربية والأمريكية واحد، كأنه خرج من مشكاة واحدة.
واسمع إلى ما كتبه الأستاذ فهمى هويدى الكاتب المصري المعروف فى مقال له بعنوان " إيران إذا "اعتدلت"!؟
" العالم الغربي لم يكن مراقبا لما حدث فقط، ولكنه كان ولا يزال شريكا في تحريك الأحداث في طهران, وهو ما قدم نموذجا غير مسبوق لما يمكن أن يسمى بالتدخل الإلكتروني الذي يوفر للطرف الذي يملك التقنية المتقدمة إمكانية إثارة وتفجير الأوضاع في بلد آخر.
لقد تحدث القادة الغربيون خصوصا رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بلغة الوصاية والتهديد لإيران. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الآلة الإعلامية الغربية وظفت كل إمكانياتها لتحريض المتظاهرين وتأجيج نيران الغضب في طهران، وتسويق شعارات ومدونات الغاضبين وتعميمها على مختلف أنحاء العالم.
لقد أعلنت محطة الإذاعة البريطانية في غمرة الأحداث أنها استخدمت قمرين صناعيين إضافيين لتقوية إرسالها الموجه باللغة الفارسية إلى إيران. وطلب من شركة جوجل إيرث (التي تنقل خرائط الأقمار الصناعية لمختلف أنحاء العالم) أن تعمم على أنحاء الكرة الأرضية صور مظاهرات طهران التي تلتقطها الأقمار الصناعية. كما طلب من محرك بحث جوجل أن يوفر على الإنترنت ترجمة النصوص من الفارسية إلى الإنجليزية، لنقل آراء الإيرانيين الغاضبين إلى العالم الخارجي.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الخارجية الأمريكية وجهت رسالة إلكترونية إلى الشبكة الاجتماعية "تويتر" أن تؤجل خطط الصيانة المقررة لها، حتى لا تتوقف لحظة عن تمكين الإيرانيين من تبادل المعلومات سواء في ما بينهم، أو في ما بينهم وبين العالم الخارجي، وكان ذلك ردا على قرار الحكومة الإيرانية وقف خدمة رسائل الهاتف النقال"
فهل يمكن بعد هذا اعتبار ما يحدث فى إيران مجرد احتجاج على نتائج الانتخابات؟ أم هو تدخل سافر من قوى الغرب لتأجيج الأوضاع وتفجيرها عن طريق الإعلام الالكتروني؟ أترك للقارىء الكريم الإجابة على هذا السؤال!!
رابعا:- وما يثير الدهشة فعلا اشتراك بعض الأنظمة العربية فى هذه الهجمة الشرسة، وبالطبع الكتاب الليبراليون والعلمانيون الذين لديهم حساسية مفرطة تجاه كل ما هو اسلامى أو ذا خلفية إسلامية أو بالأصح كل قوى الممانعة والمقاومة لا فرق..
ومما يزيد الدهشة أن تلك الأنظمة التى تتباكى على الديموقراطية وحقوق الإنسان فى إيران هي أكثر الدول انتهاكا لحقوق الإنسان، ودعما للاستبداد، والتى لم تعرف شعوبها معنى للديموقراطية حتى الآن، ألا تراهم وهم يسحقون معارضيهم ويزجون بهم فى السجون بلا ذنب أو جريرة..
هؤلاء جميعا يريدون ديموقراطية لا تأتى إلا بالعملاء، وإلا فالويل لتلك الديموقراطية، والويل، ثم الويل، ثم الويل لتلك الشعوب التى اختارت تلك الديموقراطية.
لكن الأغرب من ذلك كله هو انسياق الشعوب العربية وراء هذا الكذب، ووقوعهم فى هذا الفخ الذى طالما نصب لهم، وطالما وقعوا فيه.. ألا يعقلون؟!!
|